الرئيسية / مقالات / فى حضرة الراشدين «4»

فى حضرة الراشدين «4»

سمير عمر ” الوطن ”

فى المرحلة الابتدائية كنا ندرس فى كتاب القراءة موضوعاً بعنوان «بطل شجاع»، وكان يروى قصة الفتى الذى نام فى سرير سيدنا رسول الله وتدثر بردائه ليلة اجتمع فرسان قريش يريدون قتله، وكيف خرج النبى الأكرم وهو يتلو «وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون» دون أن يمسسه سوء ما دبروا، وكيف أخذتهم الصاعقة وهم يرفعون الغطاء فإذا بهم يجدون الفتى نائماً مطمئناً لا تخيفه سيوفهم وخناجرهم ولا ترهبه غلظتهم وقسوة قلوبهم، كنت أقرأ الدرس وأكرره مرات ومرات وأنا أسرح بخيالى متخيلاً هذا الفتى الشجاع ابن عم النبى صلى الله عليه وسلم الذى تربى فى حجره وفداه بنفسه نائماً فى فراشه لا يدرى أيقضى عليه أم يخرج ناجياً؟!

كنت أتخيله شاباً شجاعاً وسيم الملامح، فصيح اللسان، قوى البنيان ذكياً صافى الفؤاد، كنت أتخيله على هذه الصورة وأتمنى أن لو كنت مكانه، ولكن هيهات فأين أنا أو غيرى من ابن عم رسول الله وزوج ابنته الزهراء ووالد سبطيه الحسن والحسين، أين أنا أو غيرى من علمه، حيث قال عنه صلى الله عليه وسلم: «أنا مدينة العلم وعلى بابها»، أين أنا أو غيرى من تدينه وتقواه، وهو من قال عنه النبى صلى الله عليه وسلم: «يا على أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى»، أين أنا أو غيرى من شجاعته وهو من كان يرفع سيفه ذا الفقار فى المعارك والغزوات فيهرب أمهر الفرسان من منازلته، أين أنا أو غيرى من عدله وهو قاضى المدينة الذى يرد الكبار والصغار ويحاكمهم لا يخشى فى الحق لومة لائم ولا تشفع عنده صلات الأرحام.

عظيمة هى مكانة الإمام على بن أبى طالب، فهو العالم الذى لا يبارى، والقاضى الذى لا يختل ميزان أحكامه، هو الفارس الذى لا يدانيه فارس فى ساحات الوغى والفقيه الذى لا يساويه فقيهاً فى جلسات الفقه، هو الإمام المظلوم من أعدائه وأصدقائه الذى جسد استشهاده فصلاً من أكثر فصول التاريخ الإسلامى مأساوية ورسم مئات من خطوط السير على دروب الفتنة التى ما زالت تضرب أركان أمة النبى الأكرم حتى الآن. ظلمه شيعته، وكان استشهاده على يد واحد ممن كانوا فى صفوف جيشه ومن المؤيدين له، قبل أن يخرج عليه هو وعصبة من الشيعة والأنصار لأنهم قضوا بأن «الإمام» قد حاد عن الحق بقبوله التحكيم فى معركة «صفين»، كانوا ثلاثة نفر اتفقوا على قتل من تصوروا أنهم سبب الفتنة، فأما الأول فقد نال من الإمام وأما الثانى فحيل بينه وبين معاوية بن أبى سفيان وأما الثالث فقد أخفق فى الوصول إلى عمرو بن العاص، رحل الإمام على شهيداً، وبقى معاوية وعمرو، رحل على بعد أن ضربه قاتله بسيف مسموم وهو خارج لصلاة الفجر فلقى ربه بعدها بأيام، وقبل أن تصعد روحه إلى بارئها حذر أولياء دمه من التمثيل بقاتليه، فقد قال وهو على فراش الموت: «يا بنى عبدالمطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلى»، وواصل كلامه لابنه الأكبر الحسن بن على: يا حسن إن مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل فإنى سمعت رسول الله يقول: «إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور»، رحل الإمام وبقيت سيرته العطرة ومآثره الخالدة ومواقفة التى تستحق الحفظ والدرس، رحل الإمام وجاء من بعده من حادوا عن طريقه وهم يرفعون لواءه، فأضافوا إلى أقواله ما لم يقله وإلى أفعاله ما لم يقدم عليه.. سلام عليك أبا الحسن.

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE