الرئيسية / مقالات / القرآن المهجور
القرآن المهجور

القرآن المهجور

 

بقلم :  الدكتور محمد أبو زيد الفقي رحمه الله

” هذا المقال نُشر في 3 أكتوبر   2014 ”

فى القرآن الكريم يخبر الحق سبحانه وتعالى عن شكوى نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول :
[ وقال الرسول يا رب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا ] الفرقان الآية 30 ، ويجمع المفسرون على أن الرسول فى هذه الآية هو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه معجزة كبيرة جداً للقرآن الكريم وللنبى صلى الله عليه وسلم .لأنه فى حياة الرسول كان يوجد المؤمن الذى امتلأ قلبه بالقرآن وبأوامر القرآن ونواهيه وكان يوجد الكافر من المشركين وأهل الكتاب ، ولكن لم يكن موجودا من يؤمن بالقرآن ويهجره .وبقيت هذه الحال إلى انتهاء القرون الأولى ، وربما شملت القرن الرابع أيضا ، وفى هذه الفترة لم تعطل آيات القرآن الكريم ، ولم تُهجر ، لأن السنة كانت فى مرحلة التدوين على أيدى رجال عظام ، ولم تكن قد ظهرت الأحاديث التى دُست على الأئمة وعلى كتبهم أثناء الطبع ، ولكى نجلى هذه الحقيقة لابد من تقسيم القرآن الكريم إلى محاور ، ولابد من التنبيه على أننا لا نحصى محاور القرآن الكريم ولكننا سنتكلم عن ما نستطيع حصره ، كى نبين أن هناك مجموعة من الأحاديث أُدخلت إلى السنة الصحيحة ، لتوقيف معانى القرآن وتجميدها ، وتعطيلها ثم هجرها بعد ذلك .

المحور الأول :

الالتزام بالدين وبكل القوانين هو سر حياة الشعوب وتقدمها ، وفى القرآن الكريم الالتزام بأوامر القرآن ونواهيه هو سر قيام دولة كاملة فى المدينة المنورة فى عشر سنوات ، وسيطرت هذه الدولة على العالم فى مائة سنة ، وكان ذلك بفعل الالتزام ، والالتزام عقيدة قرآنية يسميها بعض العلماء : عدم تخلف الوعد والوعيد ، والقرآن الكريم يضع الالتزام فى ميزان ترتب الجزاء على العمل ، فعلى سبيل المثال : توجد 650 ستمائة وخمسون آية : تقول الجنة لا يدخلها أحد إلا بعمله الصالح وهذه الآيات نصية وقاطعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للسيدة فاطمة ابنته : [ يا فاطمة اعملى فإنى لا أغنى عنك من الله شيئا ] .
وهناك عدد 2150 ألفان ومائة وخمسين آية ترتب الجزاء على العمل لكن بشكل غير مباشر مثل : [ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ] ، وقوله تعالى : [ ونضع الموازين القسط ليوم القامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين ] وقوله : [وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ] . هذه أمثلة للآيات التى تخبر عن ترتب الجزاء على العمل ، والآيات النصية التى تشير إلى الالتزام بالمعنى عددها أكثر من ثلاثة آلاف آية فى القرآن الكريم ، وكما قلنا أن عقيدة الالتزام ساعدت فى نهوض الدولة الإسلامية وتفوقها ،فإنها أيضا سر حياة الشعوب المتقدمة حتى الآن ، فالإنسان لا يتعلم إلا بالمجاهدة فى العلم ، ولا يصبح صاحب مال إلا بالعمل الشاق المتقن ، والجنة فى الآخرة لا يدخلها الإنسان إلا بالعمل الصالح ،،،هكذا فى ثلاثة آلاف آية فى القرآن الكريم .

كانت جماعة من المسلمين العرب تحاول الهروب من هذا الالتزام والبحث عن صيغ بعيدة عن القرآن لحل هذه المشكلة ، ولأن العرب قوم يكرهون العمل حتى لو كان للجنة ، ويقوم وجودهم فى الحياة على الحل الشعرى النظرى للمشاكل ــــ طبعا باستثناء القرون الثلاثة الأولى ــــ فقامت محاولات كثيرة فى علوم دينية محترمة لحل مشكلة الالتزام فى القرآن الكريم ، وهجر القرآن ، واللجوء إلى نصوص أخرى.

كان الحل السعيد فى حديث دُس على كتب السنة الصحيحة اثناء الطبع فى بيروت فى مطبعة صليب ـــ دار العلم للملايين ـــ و سيدنا رسول الله برىء من هذا الحديث لأنه لا يمكن أن يبلغ القرآن للناس ، ثم يقول حديثا يعطل نصف القرآن تقريبا ، وعلماء الحديث القدامى ليس لهم ذنب وردوا مثل هذا الحديث لأنهم كانوا علماء بحق ، والشروط التى وضعوها لرد الحديث ( هذا الحديث وغيره ) ، لأنهم قالوا أن العلة فى رد الحديث من ناحية المتن ، هى معارضة الحديث لأية واحدة من كتاب الله ولو ظاهرا ــ أنظر النكت الخفية للبقاعى ،، ومذهب الحنابلة فى هذا الشأن ـــ والحديث الذى يلغى ثلاثة آلاف آية من القرآن ، ويقضى على أكبر محاور القرآن هو :
[ لا يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يارسول الله قال ولا أنا حتى يتغمدنى الله برحمته ] ، والغريب أن هذا الحديث تحول إلى قاعدة إيمانية عند الأمة ، فالذى يأكل الميراث حين تخوفه من عدم دخول الجنة يقول لك : لن يدخل الجنة أحد بعمله وهكذا فى كل التقصير والذنوب ، وعند ما تناقش هذه الموضوعات مع علماء الحديث المعاصرين يقولون لك إن الأمة اجتمعت على البخارى ومسلم ، أى أن صدقهما فى نظر هؤلاء العلماء مثل صدق القرآن الكريم ، وهذا قول خطيرا يخلو من التعصب للقرأن ، ومن دراسة كيف تم تدوين السنة ؟ مع أن جمع الأحاديث من لدن الإمام مالك إلى أخر عالم له كتاب فى السنة قام على منهج الشك فى الراوى والشك فى المتن،
فالإمام مالك يجمع 100000 مائة ألف حديث ولا يرضى إلا عن خمسمائة حديث فقط وبلغة الحساب 1/2 % أى نصف فى المائة وفعل مثل ذلك سيدنا الإمام البخارى وكل علماء الحديث ، وواجب الشباب من علماء الحديث عدم الوقوف عند السند والجرح والتعديل فى الرجال ، ولكنهم يجب أن ينظروا إلى المتن ، لأن معارضة القرآن جريمة سيسألون عنها يوم القيامة وتركيب سند صحيح على متن غير صحيح أمر فى غاية البساطة ، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقهم إلى مراجعة كتب الصحاح فكل حديث فيها يعارض القرآن ، رسول الله برىء منه وأسيادنا البخارى ومسلم وغيرهم ليس عليهم أدنى ذنب ، لأنهم لم يحضروا نسخ كتبهم ولا طباعتها فى المطابع ، وسقوط عقيدة الالتزام القرآنية فى الأمة لها آثار كارثية سوف نبرزها فى المقالات القادمة .

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE